نهاية التاريخ تتراجع
عودة التاريخ: رؤية فرانسيس فوكوياما لمستقبل الديمقراطية
في مذكراته الجديدة "في مملكة الإنسان الأخير"، يعود المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما إلى اللحظة التي صنعت شهرته، حين طرح عام 1989 أطروحته الشهيرة عن "نهاية التاريخ". معتبرا أن انتشار الديمقراطية الليبرالية وانهيار الشيوعية أظهرا غياب بديل أيديولوجي قابل للحياة.
النبوءة المعقدة
يوضح الأكاديمي الأمريكي جيريمي سوري أن نبوءة فوكوياما كانت أكثر تعقيدا مما اشتهرت به، حيث رأى في انتصار الغرب "نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية" وتعميم الديمقراطية الليبرالية باعتبارها الشكل النهائي للحكم.
تحول في الرؤية
غير أن فوكوياما يؤكد في مذكراته أن قراءته لمسار التاريخ لم تكن احتفالية بالكامل، فقد حذر من استمرار الصراعات القومية والإرهاب، وتحدث عن فراغ قد ينشأ حين تختفي القضايا الكبرى التي تستحق التضحية.
الرجل الأخير وقضايا أخرى
يشير سوري إلى أن فوكوياما استند لاحقا إلى فريدريك نيتشه في تصوير "الرجل الأخير"، ذلك الإنسان الذي يعيش في سلام ورفاه، لكنه يفتقر إلى الطموح والمخاطرة والمعنى.
تطور الموقف بعد 11 سبتمبر
وتكشف المذكرات أيضا تحولا في موقف فوكوياما بعد "هجمات 11 سبتمبر"، فقد أيد في البداية إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، قبل أن ينفر من احتفاء المحافظين الجدد بحرب العراق.
الرؤية الجديدة
منذ ذلك الحين، ركز على أهمية الدولة الحديثة والمؤسسات المهنية، محذرا من "إعادة التوريث" السياسي حين تستولي العائلات والجماعات على الموارد والمؤسسات.
التناقض في التحليل
لكن سوري يرى تناقضا جوهريا في هذا التحليل. فالديمقراطيات الليبرالية ازدهرت بفضل بيروقراطيات وخبرات ومؤسسات قوية، غير أن هذه المؤسسات قد تبدو باردة وبعيدة عن الناس.
صعود السلطوية
ويربط صعود السلطوية بهذا الشعور، مستشهدا باقتحام أنصار الرئيس دونالد ترمب مبنى الكابيتول في 2021، باعتباره تعبيرا عن غضب مواطنين شعروا بأنهم غير مسموعين.
عودة التاريخ لا نهايته
غير أن سوري يرفض تفسير الاضطراب السياسي باعتباره نتيجة للملل وحده. ففي رأيه، أزمات الإرهاب وحروب الشرق الأوسط والأزمة المالية العالمية جميعها، غذتها أيضا آثار العولمة والأسواق الأقل تنظيما، ما دفع ملايين الناس إلى الاعتقاد بأن الديمقراطية الليبرالية لم تعد تحميهم.
النهاية غير المحتملة
ويخلص سوري إلى أن الصراع الحقيقي لم يكن يوما بين التاريخ ونهايته، بل على الشرعية السياسية. فالمجتمعات ليست "رجالا أخيرين" يشعرون بالملل، بل شعوبا تبحث عن وظائف وحياة صحية ومجتمعات نابضة وأفكار سياسية جديدة.
لذلك تبدو مذكرات فوكوياما، في قراءة سوري، شهادة على نهاية عصر أكثر منها تأكيدا لنبوءته؛ وربما يكون القرن الحادي والعشرون بداية جديدة للتاريخ، حيث ستضطر الديمقراطيات الحرة إلى إعادة تشكيل نفسها إذا أرادت البقاء.