الجدار غير المرئي: شرق وغرب ألمانيا بين الاختلاف والتوتر

في يناير/كانون الثاني 2015، دعت حركة "بيغيدا" إلى مظاهرتين متزامنتين في مدينة كولن بأقصى غرب ألمانيا وفي مدينة دريسدن في أقصى الشرق. بلغ عدد المتظاهرين في الغرب أقل من 500 شخص، وفي الشرق حوالي عشرين ألفا. كانت "بيغيدا" قد دشنت مظاهراتها المناهضة للمسلمين في المقام الأول وللأجانب ثانيا، بما أطلق عليه النزهات الليلية.

بالقرب من كاتدرائية كولن الشهيرة تجمع أنصار بيغيدا [ومعناها: وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب] ليجدوا أنفسهم محاطين بحوالي عشرة آلاف متظاهر مضاد. الكاتدرائية الشهيرة أطفأت أنوارها، وعلى منوالها انطفأت أنوار الجسور والمباني الحكومية. في دريسدن، على الطرف الآخر، هيمن المتظاهرون على الشوارع، وبدا أنهم يتحركون في بيئة خصبة، بخلاف كولن.

قصص مقترحة

  • آلية الزناد والعقوبات الأمريكية مساران لعقوبات متزايدة على إيران
  • عائلات زوطر الغربية جنوب لبنان تواجه الشتاء في بيوت جاهزة

أكدت تلك الليلة وجود جدار رفيع، محسوس وغير مرئي، يفصل بين شرق ألمانيا وغربها. لا يزال النقاش يدور حول هذه الظاهرة المعقّدة، فالخيال السياسي الشعبي الألماني يدور في فضاءين مختلفين شرقا وغربا، كما لو أننا بإزاء دولة واحدة بمنظومتين ذهنيتين.

في الأيام الماضية أبانت نتائج الانتخابات في عدد من ولايات الشرق أن الحزب اليميني الراديكالي "البديل من أجل ألمانيا" حاز، منفردا، مكاسب تضاهي ما جنته أحزاب الوسط التقليدية الأربعة (الاتحاد المسيحي الديمقراطي CDU، والاشتراكي الديمقراطي SPD، والخضر Grüne، والليبرالي الحر FDP) مجتمعة.

صورة الخوف والعنف القائمة في ألمانيا الشرقية تشابه إلى حد بعيد سنوات مضارب البيسبول مطلع تسعينيات القرن الماضي. وهي تناقض كليّا أسلوب الحياة القائم على التعددية والتنوع الخلاق كما هو راسخ في الغرب الألماني.

لا يمكن القول إن هذا الفوز، الآخذ في الاتساع، يشكل تحولا بنيويا داخل الحقل السياسي الألماني، بل هو انكشاف لحقيقة اجتماعية كانت كامنة تحت السطح، وهي أن سماء ألمانيا منقسمة، إذا ما استعرنا عنوانا للكاتبة كريستا وولف.

دعونا نلقِ نظرة معمّقة على الشرق الألماني ليلة سقوط جدار برلين. بين عشية وضحاها انهار الكيان الشرقي بالكامل، ابتلعه الغرب الألماني. فقد مواطنو "جمهورية ألمانيا الديمقراطية" عملتهم، ونظامهم المدرسي، وهياكلهم الاقتصادية، وحتى نخبهم الأكاديمية. خلال وقت قصير هاجر ما يداني مليوني شخص من حملة الشهادات من شرق ألمانيا إلى غربها.

كما ابتلعت الرأسمالية الغربية البنية التحتية للاقتصاد الشرقي، من مصانع وغيرها. على الصعيد الثقافي تفككت الروابط الشبابية والحزبية، فوجد آلاف الشبيبة أنفسهم في متاهة وذهول.

كانت الدولة الشيوعية توفر أمانا من نوع خاص لمواطنيها، فهي تؤمّن لهم العمل والمبيت وكذلك التجانس الاجتماعي-النفسي. التجانس هُنا مسألة إشكالية، فإن "الإنسان الاشتراكي" يتجاوز حدود الأسرة، والمعقل الصغير للبورجوازية، ليصبح ذاتا ذائبة في كيان متجانس أيديولوجيا، كالشبيبة والرابطة والمصنع وغيرها.

لم يكن سقوط جدار برلين، إذا ما أخذنا هذه الصورة في الحسبان، أقل من انهيار كامل للذات الشرقية، وللمجتمع العمّالي المترابط، وللمحاضن. فلم يعبر الشرقي إلى الغرب، بل وقف أمام طاحونة رأسمالية تفتقر إلى التعاطف والترابط وحتى الوشائج. خصوصا وهو القادم من كيان سياسي لطالما ادّعى أن النازية مجرد مرض رأسمالي عضال، وأن المجتمع الألماني فاضل بطبيعته وشديد الترابط من داخله.

في الأجواء تلك اصطدم الألماني الشرقي بالحقيقة الرأسمالية المركزية: الداروينية الاجتماعية، أو البقاء للأقوى. الدولة الأبوية صارت من الماضي، والروابط الشبابية تفككت، كما فقدت البنى الشرقية الأخرى، من الثقافة إلى الاقتصاد، وجودها المعنوي والمادي معا.

كان ذلك هو شكل "الوحدة الألمانية" الذي احتفى به العالم الليبرالي، والذي يرى فيه الشرقيون "بخسا" أو تدميرا للمكانة والقيمة "Entwertungserfahrung". هل اتحد الشرق بالغرب، أم إن الأخير ابتلع الأوّل؟

يقدم التاريخ شواهد كثيرة على أن الشرق الألماني انهار فجأة، على الأقل كبنية مادية وبيروقراطية. ربما يفسّر هذا الجواب الظاهرة الارتدادية الشرقية، مثل معاداة المؤسسة، فقدان الثقة بالديمقراطية، وتفضيل فكرة "الرجل القوي" على التمثيل الديمقراطي.

يذهب الرفض إلى إدانة ثقافة الذاكرة وإدارة الماضي، واعتبار الحديث عن حصر الذاكرة في إرث الحقبة النازية اختزالا مدمّرا للتاريخ الألماني. كما أن كل ما هو ليبرالي بالضرورة غير ألماني، كما يقول الخطاب الشعبوي لحزب البديل. ففي لقاء حديث مع بودكاست سويسري قال هوكه، أبرز قادة اليمين: "في شرق ألمانيا يعيش الألمان، وفي غرب ألمانيا يعيش أمريكان يتحدثون الألمانية".

مثّلت "صدمة الحرية"، كما يفككها الباحث الألماني كوفالشوك في كتاب يحمل ذات الاسم، العتبة التي لم يجتزها أغلب الشرقيين حتى الآن. اندفع الشرقيون بحثا عن الغرب الذهبي قبل أن يتبينوا أن الديمقراطية الليبرالية كانت تلقي الوعود بالرفاه باليد اليُمنى، وتوزع اللامساواة والقسوة باليد اليسرى. عاش الشرقيون داخل حاضنة أبوية اسمها ألمانيا الشرقية، قاسية وحنونة في الآن ذاته، توفّر الكنف وتكذب على شعبها.

بعد ما يزيد على ثلث قرن على الوحدة الألمانية بات جليا أن الديمقراطية الليبرالية ابتلعت مصانع الشرق ومؤسساته، وأدمجتها في بنيتها الرأسمالية. لكنها لم تبذل جهدا احترافيا في سبيل احتواء مجتمع خسر الكيان والقيمة والذاكرة.

ورث الشرقيون من تلك الأيام شكهم العميق في خطاب المؤسسة الرسمية، والآن يتعاملون مع الميديا الليبرالية بالطريقة نفسها: الشك، بل التكذيب. عجز الخطاب الليبرالي في إبعاد الناخبين عن حزب البديل الراديكالي، فما يصدر عن المؤسسات الرسمية، ومواليها، هو كاذب بالضرورة والخبرة!

لنسمح لأنفسنا بتخيل دولة تفرّغ بين عشية وضحاها من العمالة الماهرة، ومن المصانع. ليس بهذا القطع الحاد، ولكن الأمور أخذت هذه الصورة مع الهجرة إلى الغرب وإعادة هيكلة اقتصاد الشرق، وابتلاعه. في آخر الأمر صار لدينا شرق ألماني على قطيعة ثقافية عميقة مع غربه. فبحسب الدراسة التي أجرتها مؤسسة فريدريش-إيبرت، 2023، فإن نسبة عدم الرضا النسبي والمطلق عن الديمقراطية بلغت 67% في شرق ألمانيا.

يأخذ عدم الرضا أشكالا مختلفة، بعضها إرهابي كما حدث في تسعينيات القرن الماضي، وبعضها سياسي انتقامي كما يجري في الوقت الحاضر مع التصويت اللافت لليمين الراديكالي.

هذه المسألة الشائكة لا تزال مثار جدل على كافة الأصعدة، وحتى هذا الجدل يأخذ أيضا صيغته التقليدية: "شرق وغرب". يحاول باحثون عديدون القول إن هنالك، بالفعل، شخصية شرقية ألمانية تشكّلت في سياق تاريخي، وأن المجتمع الشرقي انتقل من البروسية إلى النازية ثم الشيوعية دون أن يمر بتجربة ليبرالية من أي نوع، إذا ما تجاهلنا حقبة جمهورية فايمر القصيرة.

يبدو هذا الطرح إلى حدّ ما معقولا، غير أن شتيفان ماو يذهب في كتابه "متحدون بلا مساواة Ungleich vere" إلى أبعد من ذلك في محاولة لفهم هذا الانقسام.