المدارس في شمال شرقي سوريا: ساحة مواجهة بين الحكومة والأكراد
تحولت المدارس والمجمعات التربوية في المناطق ذات الغالبية الكردية بشمال شرقي سوريا مع انطلاق العام الدراسي الجديد، من مجرد مكان تعليمي إلى ساحة مواجهة تختبر حدود العلاقة والاندماج بين الأكراد والحكومة السورية المركزية وذلك بعد سنوات من حكم الأكراد الذاتي للمنطقة، وفي الوقت الذي تسعى فيه دمشق إلى إعادة توحيد مؤسسات الدولة والمناهج التربوية وتسريع عملية الدمج؛ يتمسك الأكراد بنظام تعليمي "مغاّير" بدراسة لغتهم الأم بشكل كامل في جميع المراحل بما فيها الجامعية.
القرار الحكومي: تدريس الكردية بشكل محدود
وحددت وزارة التربية السورية تدريس ثلاثة حصص باللغة الكردية أسبوعيًا تشمل المواد الاجتماعية والإنسانية فقط؛ على أن تبقى تدريس المواد العلمية كالعلوم والرياضيات والفيزياء باللغة العربية، ما أثار احتجاج الطلبة والمدرسين الذين تلقوا تعليمهم على مدار سنوات بالكردية، ويرون أن هذا القرار ينتزع حقهم الأساسي في الدراسة والتعلم بلغتهم الأم.
اعتراف منقوص
تأتي هذه القرارات ترجمة للمرسوم الرئاسي (13) الذي أصدره الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بداية العام الجاري ونص مادته الأولى على: "أن المواطنين الكرد جزء أصيل من الشعب السوري، وهويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية الموحدة"، والاعتراف باللغة الكردية: "كلغة وطنية والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة"، غير أن الأكراد اعتبروها "اعترافًا منقوصاً" ما يهدد تحويل المدارس إلى شرارة مواجهة جديدة تعرقل مسار عملية الاندماج "الهشة".
مشاعر الخيبة والاحتجاج
المدرسة ستيرة آيو المتحدرة من بلدة الدراسية وتقع شرقي مدينة القامشلي تبعد عنها نحو 45 كيلومتراً، شاركت في العديد من الوقفات الاحتجاجية وقالت في حديثها لDW أن التعلم باللغة الأم "حق أساسي" أقره مرسوم الشرع وقرارات وزارة التربية: "لكن سابقاً كان الطالب يدرس الكردية ومنهاجه مطبوع بالكردية والمعلم يعطي الدروس بالكردية، وفي المنزل يتحدث أوليا الأمور مع أبنائهم بالكردية"، في إشارة إلى سنوات سيطرة (قوات سوريا الديمقراطية) وإدارتها الذاتية وانتعاش اللغة الكردية.
مخاوف من عودة المنع والتهميش
وهذا الجدل حول لغة المناهج يضع عملية الاندماج التي يجري التفاوض بشأنها منذ شهور لا تتعلق فقط بالترتيبات العسكرية والأمنية أو الإدارية، وإنما تمتد إلى هوية المنطقة وتفاصيل سكانها اليومية وفي مقدمتها اللغة التي يتعلم بها أبنائهم، حيث رحب الأكراد بداية بالمرسوم الرئاسي سرعان ما صدموا بترجمة قراراته، والتي خلقت حالة من عدم الثقة وحساسية من العودة إلى عقود المنع والتهميش والحرمان من حقوقهم القومية والثقافية.
الطالب الكردي: مشكلة لجيل كامل
تروي الطالبة نيركز حقي البالغة من العمر (17 عاما) المتحدرة من القامشلي كيف درست الكردية منذ بداية مسيرتها التعليمة، تنقلت بين المراحل الابتدائية والإعدادية ثم الثانوية العامة لكنها صدمت بالقرارات الأخيرة، واعتبرت أن هذا الانتقال المفاجئ إلى العربية: "يمثل مشكلة بالنسبة إلى جيل كامل درس نظام تعليمي مختلف، هذا أمر غير مقبول".
الجامعة الكردية ترفض التغيير
وانتقدت إدارة (جامعة روجآفا) الكائنة في مدينة القامشلي وتأسست صيف 2016 في ظل "الإدارة الذاتية" المنحلة، عبر بيان تصريحات وزير التربية وهذه الجامعة التي خرجت عشرات الدفاعات من الطلبة باختصاصات مختلفة أبرزها معهد اللغة الكردية، أقرت وزارة التعليم العالي الحكومية الاعتراف الكامل بالشهادات الصادرة عنها بداية سبتمبر، وذكرت ببيانها أن "حماية النظام الأكاديمي وحق التعليم باللغة الأم أمر أساسي ومبدأ لا يقبل التغيير بالنسبة إليها".
الخلافات أمام البرلمان السوري
بدوره؛ ذكر وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو أمام قبة البرلمان في 14 من سبتمبر عن وجود رأيين لحل الخلافات الخاصة بتعلم الكردية، أحداها يدعو إلى تدريس اللغة الكردية مع المواد الأخرى، والآخر يدعو إلى ترجمة المنهج الدراسي الرسمي بالكامل إلى اللغة الكردية، وحسم الجدل قائلاً: "أن ترجمة المنهج بالكامل إلى اللغة الكردية أمر صعب جدا بسبب ضرورة توفير معلمين لجميع التخصصات، والأمر الأهم كيف سيستكمل الطالب دراسته الجامعية"، في ظروف استثنائية ومرحلة اندماجية وتوزيع كتب مناهج الحكومة الرسمية.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر